عبد الرحمن بدوي

تصدير 35

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

ونحسب أيضا أنه لا بد أن يكون كتاب يحيى النحوي قد أثر في المتكلمين من القرن الثالث الهجري فصاعدا ؛ وهذا أمر يحتاج إلى دراسة خاصة ليس هاهنا موضعها . خصوصا إذا لاحظنا أن إسحاق بن حنين ترجم حجج أبرقلس ، وإسحاق توفى في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائتين ( ابن النديم ص 397 من الطبعة المصرية ) . فيمكن أن نفترض إذن أن كتاب برقلس - ويمكن أيضا كتاب يحيى النحوي - بدأ يحدث أثره منذ مستهل القرن الرابع الهجري . 3 - ثم نجد الشهرستاني في « الملل والنحل » يعقد فصلا طويلا بعنوان « شبه برقلس في قدم العالم » ( ص 338 - ص 343 نشرة كيورتن ) قال في أوله : « وصنّف برقلس المنتسب إلى أفلاطن في هذه المسألة كتابا وأورد فيه هذه الشّبه » ثم فحص ثمانيا من هذه الشّبه على حد تعبيره ، وقال بعد ذلك : « وهذه الشبهات هي التي يمكن أن تقال فتنقض . وفي كل واحدة منها نوع مغالطة . وأكثرها تحكّمات . وقد أفردت لها كتابا ، وأوردت فيه شبهات أرسطوطاليس ، وهذه ( كذا ! ) تقريرات أبى علي بن سينا ، ونقضتها على قوانين منطقية » ( ص 340 ) . وهذا يدل على أنه ألّف كتابا للرد عليها . وهو يورد بعد هذا أقوالا لمن دافعوا عن رأى برقلس تؤكد أثر كتابه المدوّى في العالم الإسلامي ؛ ثم يختم الفصل بنقل آخر عن كتاب أبرقلس في قدم العالم . ويعد كلام الشهرستاني أوسع ما ورد إلينا حتى الآن في الحديث عن كتاب أبرقلس في قدم العالم . ولو وجد كتاب الشهرستاني الذي أفرده لحجج أبرقلس ، لوجدنا فيه خير بيان لأثر هذا الكتاب في العالم الإسلامي . وهذا شاهد خطير آخر على مدى تأثير أبرقلس في الفلسفة الإسلامية . 4 - ويدل على تأثير كتاب يحيى النحوي هذا ما أورده أبو الخير الحسن بن سوار البغدادي المعروف بابن الخمّار « 1 » ( ولد سنة 331 ه - سنة 942 م ، وتاريخ وفاته غير معروف ولكنه توفى في سن متقدمة بعد سنة 407 ه ( سنة 1017 م ) بعدة سنوات ) في مقالة له « في أن دليل يحيى النحوي على حدث العالم أولى بالقبول من دليل المتكلمين أصلا »

--> ( 1 ) راجع عنه كتابنا : « التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية » ص 87 - ص 88 . القاهرة ط 2 سنة 1946 .